الشيخ الطبرسي

638

تفسير جوامع الجامع

من عَذَابِ ربِّهم . واعتُرضَ بقَولِهِ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأمُون ) أي : لا يَنْبَغِي لأَحَد وإنْ بالَغَ في الطَّاعةِ والعبَادَةِ أَن يأْمَنَ عَذَابَ اللهِ ، ويَنْبَغي أن يكُونَ مُتَرجِّحاً بين الخَوْفِ والرَّجاء . وقُرئَ : " بِشَهَادَتِهِمْ " ( 1 ) و ( بِشَهَدَتِهِمْ ) والشَّهادَةُ من جُملةِ الأَمانَاتِ ، وخَصَّهَا من بينِها إبَانَةً لِفَضْلِها ، لأنَّ في إقَامَتِها إِحْياءُ الحُقُوقِ وتَصْحِيحُها ، وفي كِتْمانِها تَضْييعُها وإِبْطَالُها . ( فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ ) عنْدَكَ يَحْتَفُّونَ بكَ ( مُهْطِعِينَ ) مسْرعينَ نَحْوَكَ ، مادِّينَ أعْناقَهُم إليكَ . ( عَن الْيَمِينِ وَعَنِ الْشِّمَالِ عِزِينَ ) جَمَاعَات متَفرَّقينَ فِرْقةً فِرْقَة ، جَمْعُ " عِزَة " وأَصْلُها : " عِزْوَةٌ " كأنَّ كلَّ فِرقَة تَعْتَزي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزي إليهِ الأُخرى . وكانُوا يُحْدِقُونَ بالنبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يستَمِعُون إلى كلامِهِ ، ويَستَهزئُونَ ويقُولُونَ : إنْ دَخَلَ هؤلاءِ الجنَّةَ كَمَا يقُولُ محمَّدٌ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دَخَلْنَاها قَبْلَهُم . ( كَلاَّ ) رَدْعٌ لَهُم عن طَمَعِهِم في دُخولِ الجنَّةِ ، ثمَّ عَلَّلَ ذلكَ بقَولِهِ : ( إِنَّا خَلَقْنَهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) إلى آخَرِ السُّورةِ ، وهو كَلامٌ دَالٌّ على إنْكَارِهِم البَعْث ، فَكَأنَّهُ قَالَ : كَلاَّ إنَّهم مُنْكِرُونَ للبَعْثِ والجَزَاءِ ، فَمِنْ أَيْنَ يَطْمعُونَ في دخُولِ الجنَّةِ ؟ وذلك أنَّه احْتَجَّ سبحانَهُ عليهم بالنَّشأَةِ الأُولى ، وأنَّه خَلَقَهم ( مِمَّا يَعْلَمُونَ ) أي : من النُّطَفِ ، وبأنَّه قَادِرٌ على أَن يُهْلِكَهُم ويُبْدِلَ نَاساً خَيْراً منْهُم ، وأنَّه ليس بمَسْبوق على ما يُريدُ تَكْوينُهُ ولا يُعْجِزُهُ شَىْء ، والغَرَضُ أنَّ مَنْ قَدِرَ على ذلك لَمْ يُعْجِزْهُ الإِعَادَةُ . وقيلَ : معنَاهُ : إِنَّا خَلَقْنَاهُم من النُّطْفَةِ الْمَذِرَة ، فَهِي أَصْلُهُم ومَنْصِبُهُم الذي لا مَنْصَبَ أَوْضَعُ منْهُ ، فَمِن أَيْنَ يَتَشَرَّفُونَ ويدَّعُونَ التَّقَدُّمَ ويقُولُونَ : لَنَدْخُلنَّ الجنَّةَ

--> ( 1 ) قرأه ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم برواية أبى بكر عنه . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 651 .